Body Start Injected!
تقارير رشدتحليل استقصائي

الفيفا في قفص الاتهام

مكالمة من البيت الأبيض، وصفارات تنحاز للنجوم، وبطولة يتساءل العالم اليوم: هل يقرر الكبار نتائجها خلف الستار؟

بقلم: تحرير رُشدنُشر في: ٨ يوليو ٢٠٢٦تحديث: ٨ يوليو ٢٠٢٦
الفيفا في قفص الاتهام
الصورة: الصورة: Mario Klassen عبر Unsplash (ملكية عامة، رخصة CC0)

في الخامس من يوليو 2026، اتخذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) خطوة غير مسبوقة في تاريخه؛ إذ علّق عقوبة الإيقاف التلقائي المترتبة على بطاقة حمراء، عقب اتصال هاتفي تلقاه من رئيس الولايات المتحدة. وكان المهاجم فولارين بالوغون قد تلقى بطاقة حمراء في مباراة منتخب بلاده أمام البوسنة والهرسك، وهي عقوبة تقضي بإيقافه مباراة واحدة تلقائياً وتحرمه من مواجهة بلجيكا في دور الستة عشر. بيد أن اتصالاً هاتفياً من دونالد ترامب برئيس الفيفا جاني إنفانتينو، طالب فيه بـ"مراجعة" القرار، غيّر مجرى الأحداث؛ إذ أعلن الاتحاد بعد أيام تعليق العقوبة استناداً إلى المادة السابعة والعشرين من لائحته الانضباطية، ليعود بالوغون إلى المستطيل الأخضر.

ولم ينكر ترامب الواقعة بل تباهى بها علناً أمام الصحفيين، مؤكداً أنه طلب المراجعة لعدم اقتناعه بوجود مخالفة تستدعي العقوبة. وفي المقابل، وصف الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ما جرى بوصفه "تجاوزاً للخط الأحمر"، وقراراً يفتقر إلى التبرير والوضوح السليم. وسرعان ما أطلقت وسائل الإعلام على القضية اسم "بالوغيت"، في وقت وصفتها فيه منصات غربية بأنها تشكل "تشويهاً للعدالة". وعلى الرغم من تقديم الاتحاد البلجيكي اعتراضاً رسمياً، فقد رفضه الفيفا لاحقاً ليظل بالوغون مؤهلاً للمشاركة. وفي مفارقة لا تخلو من مرارة، خسرت الولايات المتحدة أمام بلجيكا بأربعة أهداف مقابل هدف واحد لتودع البطولة؛ لتذهب تحركات الفيفا الاستثنائية سدى بعدما غادر اللاعب نفسه المنافسات بعد ثلاثة أيام فحسب.

لا تمثل هذه الواقعة مجرد جدل عابر حول بطاقة حمراء؛ بل تشكل الحلقة الأوضح في سلسلة تساؤلات تلاحق شرعية مونديال 2026 منذ دور المجموعات وصولاً إلى ربع النهائي.

أبعد من مكالمة: تضارب مصالح موثق

ورغم أن المكالمة الهاتفية كانت لتمضي بوصفها زلة عابرة، فإن الوقائع التي سبقتها تمنحها ثقلاً أكبر؛ إذ استحدث إنفانتينو "جائزة سلام" سنوية باسم الفيفا، ليمنحها لترامب خلال حفل قرعة المونديال في مركز كينيدي بواشنطن، في سياق عرض مرئي يشيد بسياساته الخارجية، مؤكداً له من فوق المنصة أنه يستطيع دائماً الاعتماد عليه. وإلى جانب ذلك، كشفت وثيقة إفصاح مالي تلقي ترامب تذاكر مباريات من إنفانتينو ناهزت قيمتها خمسة عشر ألف دولار.

وبهذا الانتقال، تجاوزت القضية حدود الملاعب الرياضية لتستقر في أروقة السياسة الرسمية؛ ففي رسالة مؤرخة في التاسع والعشرين من يونيو، حشد نحو خمسين نائباً في البرلمان الأوروبي تأييداً لشكوى أخلاقية كانت منظمة "فيرسكوير" الحقوقية البريطانية قد تقدمت بها في ديسمبر 2025؛ للمطالبة بفتح تحقيق رسمي مع إنفانتينو حول مدى تأثير ضغوط إدارة ترامب في تعليق عقوبة بالوغون، وعما إذا كان منح "جائزة السلام" يخرق مبدأ الحياد السياسي المقر في لوائح الاتحاد الدولي نفسه. ولتضع هذه الرسالة الاتحاد الدولي لكرة القدم في موضع المتهم بعدما كان يملك سلطة توجيه الاتهام.

بعد آخر خارج الملعب: تحقيق فيدرالي في مالية الاتحاد الأرجنتيني

وبينما تلاحق الشبهات قرارات الفيفا داخل الملعب، فتح مسار منفصل جبهة جديدة بالكامل خارجه؛ إذ كشفت صحيفة "لا ناسيون" الأرجنتينية، ونقلت عنها شبكة "فوكس سبورتس" المكسيكية، أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) والادعاء العام الفيدرالي بدآ بجمع إفادات حول العمليات المالية للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم على الأراضي الأمريكية. ويركز هذا التحقيق الأولي على شركة "تور برود إنتر" ومقرها فلوريدا، والتي أدارت العقود التجارية الدولية للاتحاد. ووفقاً لوثائق مصرفية اطلعت عليها الصحيفة، قامت الشركة بتحريك ما لا يقل عن مئتين وستين مليون دولار عبر حسابات في خمسة بنوك أمريكية، في حين حُوّل نحو سبعة وخمسين مليوناً أخرى إلى جهات لم يتضح الغرض منها، ما يثير شبهات غسيل أموال واحتيال مالي تخضع حالياً للفحص والتحقيق.

إلا أن الدقة تقتضي رسم حدود صارمة هنا؛ إذ لم يؤكد مكتب التحقيقات الفيدرالي رسمياً وجود التحقيق، كما لم يوجه الادعاء العام أي تهمة رسمية حتى الآن، وتظل القضية في طورها التمهيدي الأولي. وتشدد التقارير ذاتها على غياب أي صلة لهذه الشبهات المالية بأحداث التحكيم في البطولة الحالية. والأهم من ذلك، أن مسار التحقيق يستهدف الاتحاد الأرجنتيني ورئيسه كلاوديو "تشيكي" تابيا بصورة مباشرة، لا رئيس الفيفا جاني إنفانتينو الذي يتردد اسمه في مسار قضائي وأخلاقي منفصل تماماً يقوده البرلمان الأوروبي في قضيتي بالوغون و"جائزة السلام". ويشكل خلط هذين المسارين خطأً شائعاً في التغطيات الإعلامية الجارية، وهو ما تحرص منصة "رُشد" على الفصل بينه وتبيانه بوضوح.

نمط لا واقعة: مسيرة الأرجنتين المثيرة للجدل

وبموازاة قضية بالوغون، أثارت القرارات التحكيمية غضباً متصاعداً مع كل مباراة يخوضها المنتخب الأرجنتيني؛ إذ رافق مسيرة حامل لقب كأس العالم جدل تحكيمي لم ينقطع منذ الجولة الأولى، ليتوج بتقديم شكويين رسميتين من اتحادين وطنيين.

استهلت الأرجنتين مشوارها في افتتاح مباريات المجموعة أمام الجزائر بلقطة مثيرة؛ إذ تدخل ميسي بقوة مستخدماً نتوءات حذائه الرياضي على ساق قائد "الخضر" عيسى ماندي، في لقطة بدت للكثيرين تدخلاً يستوجب الطرد المباشر، غير أن حكم اللقاء اكتفى باحتساب مخالفة دون إشهار أي بطاقة ملونة. ووصف محلل شبكة ESPN التدخل بأنه يستحق بطاقة حمراء دون أدنى شك. واستمر ميسي في اللعب لينجح في تسجيل ثلاثة أهداف عادل بها الرقم القياسي التاريخي للهداف الألماني ميروسلاف كلوزه، وهو ما دفع الاتحاد الجزائري لتقديم شكوى رسمية إلى الفيفا، اتهم فيها طاقم التحكيم بخص ميسي بمعاملة تفضيلية. وفي مواجهة الجولة الثانية، تجاوز النجم الأرجنتيني رقم كلوزه بتسجيله ثنائية في شباك النمسا، وسط اعتراضات واجهت الهدف الأول؛ إذ رأى خبراء تحكيميون وجوب إيقاف اللعب لاحتساب مخالفة ارتكبها أليكسيس ماك أليستر بعيداً عن الكرة قبل تسجيل الهدف.

ثم تضاعفت الإثارة في الأدوار الإقصائية؛ ففي دور الاثنين والثلاثين، تجاوزت الأرجنتين عقبة الرأس الأخضر بصعوبة بالغة، بثلاثة أهداف مقابل هدفين بعد التمديد، بهدف سجله كريستيان روميرو من ركلة ركنية نفذها ميسي، على الرغم من تألق حارس منتخب الرأس الأخضر، المشارك للمرة الأولى في تاريخه، وتصديه لثماني تسديدات محققة. وأثارت قرارات الحكم درو فيشر تساؤلات جماهيرية واسعة، لا سيما حيال الدقائق المضافة كوقت بدل ضائع والتي بدت موجهة لخدمة الأرجنتين، ما دفع بقطاع من المشجعين للمطالبة بفتح تحقيق رسمي مع طاقم التحكيم؛ إلا أن المواجهة الأعنف تجسدت في لقاء دور الستة عشر أمام مصر.

"مباراة مزورة": ليلة القاهرة التي أشعلت الجدل العالمي

انتهت مواجهة المنتخب المصري ونظيره الأرجنتيني بخسارة الفراعنة بثلاثة أهداف مقابل هدفين، عقب هدف رأسي قاتل سجله إنزو فرنانديز في الدقيقة الثانية والتسعين. بيد أن اعتراض الجانب المصري لم ينصب على النتيجة ذاتها، بل على المجريات التحكيمية التي مهدت لها؛ إذ قرر حكم الفيديو إلغاء هدف للمنتخب المصري سجله أحمد سيد (زيزو) بداعي وجود مخالفة في مرحلة بناء الهجمة إبان تقدم مصر، في حين مرت لقطات مشابهة لمصلحة الأرجنتين دون أي مراجعة تقنية، بالتزامن مع عدم احتساب ركلة جزاء طالب بها الفراعنة قبيل الهجمة العكسية التي جاء منها هدف الفوز الأرجنتيني، ما وضع الحكم الفرنسي فرانسوا لوتيكسييه في مرمى انتقادات حادة.

وعقب اللقاء، صرح المدير الفني للمنتخب المصري حسام حسن بجرأة قائلاً: "هذه المباراة كانت مزورة بوضوح، وشاهد العالم أجمع مجرياتها"، متهماً الاتحاد الدولي بالسعي للإبقاء على الأرجنتين ونجمها ميسي في البطولة لاعتبارات تسويقية بحتة. وفي حين تقدم الاتحاد المصري بشكوى رسمية يطالب فيها بمعاقبة الحكم، فإن الموضوعية تقتضي إيراد تفاصيل قد لا تدعم هذه الرواية؛ إذ أهدر ميسي نفسه ركلة جزاء خلال المواجهة ذاتها، وهو معطى يُصعّب من فرضية انحياز التحكيم الكامل للأرجنتين.

ما الذي يقوله المنتقدون؟

تجاوز الجدل حدود المستطيل الأخضر ليتحول إلى اتهامات صريحة تزعم حماية الفيفا وحكامه للمنتخب الأرجنتيني ونجمه ميسي لاعتبارات تجارية بحتة؛ إذ تضمن استمرارية "البرغوث" في البطولة تحقيق نسب مشاهدة قياسية ومبيعات تذاكر ضخمة وضمان قيمة تسويقية مضاعفة للرعاة. وفي هذا الصدد، نشرت شبكة "ياهو" مقالاً بعنوان صريح: "هوس الفيفا بالأرجنتين يدمر نزاهة اللعبة"، في حين وصف بطل الشطرنج العالمي غاري كاسباروف الاتحاد الدولي بأنه "مزحة فاسدة"، ورأى الدبلوماسي محمد البرادعي أن "الفيفا فقد مصداقيته تماماً"، بينما صرح النجم المصري محمد أبو تريكة غاضباً: "لعبنا ضد ميسي والفيفا والتحكيم، وأنا أطالب بحقي"، وكتب اللاعب الفرنسي السابق باتريس إيفرا مؤكداً أن "مصر تعرضت للسرقة".

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى معطى رقمي يمنح حجتهم سنداً قوياً؛ إذ حصلت الأرجنتين في مونديال 2022 على خمس ركلات جزاء، وهي الحصيلة الأكبر لمنتخب واحد في تاريخ البطولة، سددها ميسي جميعاً. ويرى المنتقدون أن تواتر هذه القرارات المواتية، عاماً تلو الآخر، يرسخ قناعة عامة بأن قواعد اللعبة لا تُطبّق بمعيار واحد على الجميع.

زاوية رُشد: مباراة واحدة وعناوين متناقضة

وهنا تحديداً يبرز الدور التحريري لمنصة "رُشد"؛ إذ تناولت المنصات الإخبارية الوقائع ذاتها بقراءات متعارضة، ويكفي رصد العناوين متجاورة لتبيان حجم الانقسام بوضوح. فبينما عنونت شبكة الجزيرة تغطيتها لردود الفعل بـ"سرقة كروية في وضح النهار"، وعنونت صحيفة النهار اللبنانية "مصر خسرت أمام الفيفا"، اختارت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) صياغة هادئة ومحايدة: "الأرجنتين بقيادة ميسي توقف مفاجأة مصر".

وفي المقابل، احتفت شبكة "فوكس" الأميركية بما وصفته بـ"واحدة من أعظم العودات التاريخية في كأس العالم"، في وقت لم تتطرق فيه قنوات مثل العربية وسكاي نيوز عربية للجدل التحكيمي، مفضلةً التركيز على دموع ميسي الإنسانية ورسائل المواساة المتبادلة. ولم يقتصر هذا الانقسام على الأبعاد الرياضية؛ إذ ربطت صحيفة القدس العربي النتيجة بالسياسة مشيرة إلى أن خسارة مصر قوبلت بـ"فرحة عارمة في إسرائيل".

وهذا هو جوهر منهج منصة "رُشد"؛ فالانحياز والتأطير ليس صفة ثابتة تلتصق بمصدر بعينه، بل هو موقف تحريري تتخذه المنصة حيال قصة محددة تترجمه الصياغة المباشرة للعنوان. فبينما تظل مجريات المباراة ووقائعها ثابتة، تنقسم الروايات والقصص بين "فضيحة تحكيمية" و"ملحمة كروية" تبعا للجهة التي تصيغ الخبر.

في الميزان

يبقى الإنصاف معيار المصداقية الأساسي؛ فالقرارات التحكيمية تظل في النهاية تقديرات بشرية خاضعة للاجتهاد ولا تعد دليلاً قاطعاً على سوء النية، كما أن تواتر هذه القرارات لصالح فريق بعينه يندرج في سياق الارتباط الإحصائي لا الفساد المثبت قانوناً. ومما يؤكد ذلك، أن التقنية ذاتها انقلبت على نجوم آخرين؛ إذ ألغى حكم الفيديو هدفاً قاتلاً لصالح كرواتيا في الرمق الأخير بداعي تسلل مجهري وضئيل للغاية، في قرار صب في مصلحة المنتخب البرتغالي ونجمه كريستيانو رونالدو، ما دفع الاتحاد الكرواتي لتقديم شكوى رسمية يتهم فيها الفيفا بإساءة استخدام التقنية المونديالية. فالصافرة حين يشوبها الانحياز، تميل لخدمة الأسماء الكبيرة والنجوم اللامعين، لا لميسي وحده.

وينفي الفيفا وإنفانتينو أي تجاوز؛ إذ أكد الأخير أنه "لم يكن طرفاً" في قرار عودة بالوغون، بل اتخذته لجنة الانضباط المستقلة بالكامل، واصفاً الإجراء بأنه يعبر عن آلية عمل نظام الفيفا المعتمد والذي سيلتزم به دائماً.

ومع ذلك، يظل الثابت بالأدلة أن أسبوعاً واحداً شهد مكالمة هاتفية من رئيس دولة، وقراراً استثنائياً وصفه اتحاد قاري بتجاوز الخطوط الحمراء، وتحركاً برلمانياً أوروبياً مرتقباً، إلى جانب شكويين رسميتين من اتحادين وطنيين. ولا تتبنى منصة "رُشد" اتهامات التزوير، بل تلتزم برصد وتفنيد هذه السرديات استناداً إلى الوثائق والمواقف الرسمية الموضوعة على الطاولة. وفي الحادي عشر من يوليو تلتقي الأرجنتين بسويسرا في ربع النهائي، لتجد الصافرة التحكيمية نفسها تحت المجهر في مواجهة لا تقبل القسمة على اثنين. ويبقى الحكم النهائي معلقاً بانتظار صافرة النهاية، فالقرار الأخير في ملعب القارئ.

مقالات ذات صلة

المصادر: الجزيرة، سكاي سبورتس، ESPN، أسوشيتد برس، يورونيوز، CNBC، NBC، NPR، فوكس، القدس العربي، النهار، و"لا ناسيون" عبر فوكس سبورتس المكسيك، إضافة إلى رصد "رُشد" لتغطية أكثر من 30 مصدراً.